حبر وورق

Welcome!

Unlock your personalized experience.

Sign Up

العدد الأول - سبتمبر ٢٠٢٦
الأربعاء ٢ سبتمبر ٢٠٢٦


حديث الأربعاء
حين يصنع الكتاب موعدا لصالوننا الأدبي
هناك كتب نقرأها ثم نضعها جانبا، وهناك كتب لا تنتهي قراءتها حين نغلق صفحاتها، بل تبدأ عندها.
من هنا جاءت «حبر وورق»؛ مساحة شهرية على منصة «مقاليكس»، نقتطع فيها من زحام الحياة موعدا للكتاب، لا لنستعرضه فحسب، بل لنجلس معه، وننصت إلى ما يقوله، وما يتركه فينا، وما يمكن أن يقوله لنا اليوم.


نريد في هذه المساحة أن نعيد للكتاب الورقي شيئا من طقسه القديم: يد تمسك الصفحات، وعين تتوقف عند سطر، وهامش يستقبل ملاحظة عابرة، ورائحة ورق تختزن شيئا من الزمن.


لا نفعل ذلك خصومة مع القراءة الرقمية، ولا حنينا أعمى إلى الماضي، وإنما إيمانا بأن للكتاب الورقي حضورا لا تختصره الشاشة؛ حضورا يجعل القراءة في بعض الأحيان تجربة حسية كاملة، لا مجرد انتقال بين الكلمات.


ولأن القراءة حين تتحول إلى حوار تصبح أكثر حياة، فقد اخترنا أن يكون لـ«حبر وورق» موعد ثابت:


الأربعاء الأول من كل شهر.


واخترنا هذا اليوم استلهاما من «حديث الأربعاء» لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين؛ لا باعتباره اسما نستعيره فحسب، بل باعتباره روحا ثقافية نريد أن نستعيد شيئا منها:

كتابا، وقراءة، وحوارا، وذاكرة أدبية تتجدد كلما جلس القارئ إلى النص من جديد.


وفي كل موعد، سيكون لنا مع الكتاب لقاءان.
في المقال الأول، «حديث الكتاب»، نقترب من العمل كما هو: فكرته، وبناؤه، وسياقه، ومفاتيحه، وما يجعله جديرا بأن نمنحه شيئا من أعمارنا.
ثم يأتي المقال الثاني، «عين الناقد»، لنغادر فيه حدود التعريف والعرض إلى مساحة القراءة النقدية والتأويل، والكشف عن جماليات النص ومواطن قوته، وما يمكن أن يؤخذ عليه، وما يخفيه خلف لغته وبنائه.
فالسؤال الأول عندنا هو:
ماذا يقول الكتاب؟
أما السؤال الذي يليه فهو الأكثر إثارة:
ماذا نرى نحن فيه؟
وهنا يبدأ الحوار.


حديث الكتاب


«حديث الأربعاء» لعميد الأدب العربي د. طه حسين
طبعة دار المعارف المصرية
حين نفتح «حديث الأربعاء»، لا نفتح كتابا في الشعر القديم فحسب، وإنما ندخل إلى تجربة نقدية كان صاحبها يحاول من خلالها أن يجعل التراث حاضرا في الوعي الحديث، وأن يقرأ الشعر في سياقه الإنساني والاجتماعي والفكري، لا باعتباره أبياتا معزولة عن الحياة التي ولدت فيها.
وقد ظهرت مقالات «حديث الأربعاء» في الصحافة المصرية خلال عشرينيات القرن العشرين، قبل أن تجمع لاحقا في أجزاء الكتاب المعروفة عن دار المعارف.
وهنا تكمن أهمية التجربة: طه حسين لم يكن يريد للقارئ أن يكتفي بمعرفة اسم الشاعر أو حفظ البيت الشعري، بل كان يدفعه إلى النظر في البيئة التي صنعت الشاعر، وفي المجتمع الذي احتضن تجربته، وفي الإنسان المختبئ خلف القصيدة.
ومن خلال صفحات الكتاب نلتقي نماذج بارزة من الشعر العربي، ونمر على عصور وبيئات أدبية وسياسية واجتماعية متعددة، ونرى كيف يمكن للنص أن يكون نافذة على صاحبه وعلى عصره في آن واحد.
فيتناول طه حسين شعراء مثل جرير والفرزدق وعمر بن أبي ربيعة وبشار بن برد وأبي نواس، ولا يقف عند حدود النص، بل يحاول أن يسترد للشعر سياقه: المجتمع، والسياسة، والتحولات الفكرية، والحياة التي كانت تدور حول القصيدة.
ومن هنا يمكن أن نقترب من الكتاب عبر ثلاثة مداخل كبرى:
١- الشعر في بيئته
لا يظهر الشاعر في «حديث الأربعاء» كصوت منفصل عن عصره.
فالشعر مرآة للحياة التي خرج منها، والغزل والمجون والهجاء والمدح وغيرها من الأغراض ليست مجرد موضوعات شعرية، بل ظواهر تتصل بالمجتمع وبطبيعة الحياة في العصور التي نشأت فيها.


٢- الشاعر خلف القصيدة
وهنا تظهر إحدى السمات اللافتة في منهج طه حسين؛ إذ يحاول أن يصل إلى الإنسان وراء النص.
ما الذي صنع هذا الصوت؟
ما الذي دفع الشاعر إلى هذا القول دون غيره؟
وما علاقة تجربته الشخصية والبيئة المحيطة به بما كتب؟


وبذلك لا يعود البيت الشعري مادة للحفظ، بل يصبح أثرا إنسانيا قابلا للفهم والتأويل.
٣. التراث في مواجهة الحاضر
ولا تتوقف قيمة «حديث الأربعاء» عند استعادة الماضي.
فالماضي عند طه حسين ليس متحفا مغلقا، وإنما مادة للحوار مع الحاضر.
ومن هنا تبرز صلته بقضايا الأدب الحديث، وبفكرة البعث والاحتذاء، وبالموازنة بين جمال اللفظ وعمق المعنى، وبين المحافظة على التراث والحاجة إلى قراءة جديدة له.
حين يصبح الورق جزءا من القراءة
ثم تأتي لحظة مختلفة تماما.


لحظة نترك فيها ما يقوله الكتاب جانبا لنسأل:
كيف يكون الكتاب حين يكون بين أيدينا؟
طبعة دار المعارف ليست بالنسبة إلى القارئ الورقي مجرد وسيط للنص.
فالصفحات، والخط، وترتيبها، والحواشي، وأثر الزمن على الورق، كلها تفاصيل تدخل بطريقة أو بأخرى في تجربة القراءة.


هناك شيء لا تمنحه الشاشة بالطريقة نفسها:
أن تعرف أن الصفحات التي تقلبها الآن مرت من أيد أخرى، وأن السطور نفسها التي تتوقف عندها عينك توقفت عندها عيون قراء سابقين.
وهكذا لا يصبح الورق حاملا للكلمات فقط، بل يصبح جزءا من ذاكرة الكتاب.


ولعل هذا تحديدا ما نريد أن نستعيده في «حبر وورق»:
أن نقرأ الكتاب لا بعقولنا وحدها، بل بكل ما يجعل القراءة تجربة.
الصالون مفتوح
لكن «حبر وورق» لا تريد أن تكون مقالة يتحدث فيها كاتب ويصمت الجميع.
هذه مساحة صالون.
والصالون لا يكتمل بصاحب المائدة، بل بمن يجلس حولها.


لذلك نفتح الباب للقارئ:
هل قرأت «حديث الأربعاء» من قبل؟
ما الذي بقي منه في ذاكرتك؟
هل توافق طه حسين في بعض قراءاته، أم ترى أن عين القارئ اليوم تستطيع أن ترى في النص ما لم يكن ظاهرا للقارئ في زمنه؟
وماذا عن الكتاب الورقي؟
هل ما زال قادرا على أن يمنحنا شيئا لا تمنحه الشاشة؟


ثم نريد منكم شيئا آخر:
رشحوا لنا الكتاب الذي تريدون أن يكون موعدنا القادم معه.
فربما يأتي الأربعاء الأول من الشهر المقبل حاملا كتابا اقترحه قارئ منكم.


إلى اللقاء
هكذا تبدأ «حبر وورق».
لا بوعد أن نقول الكلمة الأخيرة في كتاب، وإنما بوعد أكثر تواضعا وأكثر طموحا:
أن نفتح الكتاب من جديد.
فربما كانت بعض الكتب لا تحتاج إلى قارئ جديد بقدر ما تحتاج إلى قراءة جديدة.


وفي الأربعاء الأول من كل شهر، سنحاول أن نفعل ذلك معا.


أما في المقال القادم من العدد الأول، فسنجلس في الجهة الأخرى من المائدة، ونضع «حديث الأربعاء» تحت عين الناقد.
لن نسأل فقط:
ماذا قال طه حسين؟
بل سنسأل:
ماذا نرى نحن في «حديث الأربعاء»؟
إلى «عين الناقد»...