عندما تكتب الآلة .. يغيب الأدب

Welcome!

Unlock your personalized experience.

Sign Up

...   

          

عندما تكتب الآلة يغيب الأدب: 
درس معرض القاهرة للكتاب

​تشهد الساحة الثقافية والأدبية اليوم جدلا واسعا حول حدود التفاعل بين العقل البشري وتقنيات الذكاء الاصطناعي. 

وبين احتفاء بالسرعة الفائقة وحذر من الميكنة الكاملة للفكر، تجسدت الإشكالية مؤخرا في واقعة شهدها معرض القاهرة الدولي للكتاب؛ حين ظهرت في نهاية إحدى الروايات المطبوعة عبارة نصية كاشفة نسي "الكاتب المزعوم" حذفها، وهي العبارات التلقائية التي تصدر عن النماذج اللغوية لتؤكد أن النص كاملا صنع بواسطة الآلة.

​تثير هذه الواقعة سؤالا محوريا: 
هل ألغت التقنية الحاجة إلى المبدع، 
أم أن الاستخدام الخاطئ هو الذي يكشف حدود الكسل الفكري؟

​فخ الاستبدال الكامل:
​إن إسناد عملية الكتابة أو الإبداع بالكامل للذكاء الاصطناعي لا ينتج أدبا حقيقيا؛ فالنماذج اللغوية تنشئ النصوص عبر خوارزميات تحسب الاحتمالات الإحصائية لتتابع الكلمات بناء على كم هائل من البيانات السابقة. 

وهذا بالضرورة يقود إلى مخرجات متكررة، تسودها السطحية، وتفتقر إلى البصمة الإنسانية والتجربة المليئة بالتناقضات والشغف. 

فضلا عن ذلك، 
فإن هذا الاعتماد الكلي يسقط المستخدم في فخ الأمانة العلمية والأدبية، حيث ينسب لنفسه جهدا لم يبذله، بل ولم يكلف نفسه حتى عناء قراءته ومراجعته قبل النشر.

​خطورة "الهلوسة الخوارزمية":
​تزداد خطورة الاعتماد المطلق على هذه الأنظمة عند النظر إلى دقة المحتوى العلمي والتاريخي. 

فالذكاء الاصطناعي يعاني مما يعرف بـ "الهلوسة"؛ حيث يقدم معلومات خاطئة تماما، أو يخترع مراجع وأرقاما وهمية، ولكن بنبرة واثقة ويقينية للغاية قد تخدع القارئ غير المتخصص. 

فالآلة لا تفهم المعاني ولا تدرك الحقائق، بل تنسق الألفاظ وفق أطر قواعدية، مما يجعل الاعتماد عليها دون تحقق بشري صارم مجازفة علمية وفكرية.

​التوظيف المساند والواعي:
​على الجانب الآخر، لا يمكن إنكار الفوائد العظيمة للتقنية إذا ما تم وضعها في موضعها الصحيح كأداة مساندة لا كبديل. 

إن استخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق اللغوي، أو ترتيب المراجع، أو تنظيم الهياكل الأولية للأبحاث، أو العصف الذهني لاقتراح زوايا تناول جديدة، يعد توظيفا واعيا يعزز الإنتاج البشري ويوفر الوقت للمهمة الأساسية: 
التفكير العميق والتأمل.

​يبقى الذكاء الاصطناعي أداة مضاعفة للكفاءة لمن يملك الرؤية والتفكير النقدي، لكنه يتحول إلى بؤرة للرداءة والسطحية لمن يتخلى عن عقله لحساب الخوارزميات. 

فالآلة قد تسرد الكلمات، لكنها لن تملك أبدا روح المبدع.