حين كان الشعر شعرا قبل أن يكون بحرا

حين كان الشعر شعرا قبل أن يكون بحرا

قبل أن نعرف الطويل والبسيط والكامل والوافر، كان هناك شعر.

وقبل أن يعرف الشاعر «فعولن» و«مستفعلن» و«فاعلاتن»، كانت القصيدة قد عرفت طريقها إلى آذان العرب وقلوبهم.
وقبل أن يجلس عالم في خلوته يتأمل حركة الساكن والمتحرك، كان البدوي في فلاة بعيدة ينشد بيتا، فيصمت من حوله ليسمعوه.

هذه ليست ملاحظة عابرة في تاريخ العروض.
إنها، في ظني، واحدة من أعمق الحكايات التي يمكن أن نقرأ بها تاريخ الشعر العربي.

لأنها تضع أمامنا سؤالا يتجاوز الخليل والعروض والبحور:

هل يأتي الفن من القاعدة، أم تأتي القاعدة بعد الفن؟

كان الشاعر يعرف قبل أن يعرف لماذا
لم يكن الشاعر الجاهلي يفتح صحيفة قبل أن يقول قصيدته، ثم يختار من قائمة البحور ما يناسبه.

لم يكن يعرف، بالمعنى العلمي الذي استقر بعد الخليل، أنه يكتب على الطويل أو البسيط أو الوافر.
كان يعرف شيئا آخر.
كان يعرف الشعر.
كان يسمع الجملة في أذنه، فيعرف أنها مستقيمة.
ويسمع أخرى، فيشعر أن فيها خللا.
كان يزن القول بميزان لا يراه.
ميزان صنعته اللغة نفسها، وصقلته الأذن، ورسخته كثرة السماع والإنشاد.
وهذا هو معنى السليقة في أصفى صورها.
لم تكن السليقة جهلا بالقانون، وإنما كانت معرفة بالقانون من غير أن يكون القانون قد تحول بعد إلى كتاب.
ولذلك فإن القول بأن العرب قالوا الشعر «بلا وزن» يحتاج إلى كثير من الاحتراز.

فالشعر العربي القديم لم يكن فوضى إيقاعية تنتظر الخليل لينقذها.
كان موزونا في نظامه الموروث، لكن هذا النظام لم يكن قد تحول بعد إلى علم له مصطلحاته وأبوابه وقواعده.
كان الوزن حيا في الأذن قبل أن يصبح حاضرا في الكتب.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.

الشعر لم ينتظر الخليل:
هنا يجب أن ننصف الرجل العظيم.
فالخليل بن أحمد الفراهيدي لم يخترع الشعر العربي، ولم يخترع للقصيدة موسيقاها من فراغ.

جاء الشعر قبله بقرون.

وجاءت المعلقات والقصائد الطوال، وجاء امرؤ القيس وطرفة وزهير ولبيد وعنترة والنابغة والأعشى وغيرهم، وجاءت وراءهم أجيال من الشعراء الذين قالوا وحفظوا ورووا، قبل أن يولد علم العروض في صورته المعروفة.

فماذا فعل الخليل؟
- أنصت.

وهذه ربما تكون أجمل كلمة يمكن أن نقولها في حقه.
أنصت إلى ما قاله الشعراء، ثم حاول أن يفهم السر الذي جعل شعرهم يستقيم في الأسماع.
فاستقرأ الأشعار، واكتشف أن وراء هذا التراث الواسع أنظمة إيقاعية يمكن ضبطها، ثم صاغ علم العروض الذي صار من أعمدة دراسة الشعر العربي.
لم يصنع الخليل البحر.
بل اكتشف البحر في الشعر.
وهذه ليست لعبة في الألفاظ.
إنها فارق بين من يخترع الفن ومن يكشف قوانينه.

من الأذن إلى العقل:
إذا تأملنا الحكاية قليلا، وجدنا أننا أمام رحلة عجيبة:
الشاعر قال.
والسامع سمع.
والقبيلة حفظت.
والرواة تناقلوا.
ثم جاء العالم فسأل:
لماذا يبدو هذا الكلام شعرا؟
هنا انتقل الشعر من الأذن إلى العقل.
ولعل هذه هي وظيفة العلم في أجمل صورها:
أن يأتي بعد الإبداع لا ليقتله، وإنما ليكشف سره.
فالشاعر لم يكن بحاجة إلى أن يعرف اسم البحر حتى يقول البيت.

 بعد أن جاء الخليل، أصبح بإمكاننا أن نعرف لماذا يستقيم هذا البيت ولماذا ينكسر ذاك.
لقد منحنا الخليل مفتاحا لفهم موسيقى الشعر.
وهذا فضل عظيم.
لكن المفتاح لا يصنع البيت.

حين يولد الفن قبل علمه:
وهذه الحكاية ليست خاصة بالشعر.

كم من إنسان عرف الجمال قبل أن يعرف علم الجمال؟

وكم من موسيقي فطري سبق في إحساسه بالنغم من سيأتي بعده ليضع القواعد؟

وكم من شاعر قال صورة لم يعرف اسمها البلاغي، ثم جاء النقاد بعده بقرون ليقولوا: استعارة، وتشبيه، وكناية، ومجاز؟

إن الإنسان لا يحتاج دائما إلى أن يعرف اسم الشيء حتى يصنعه.

قد تصنعه الموهبة أولا.
ثم يأتي العلم فيضع له الاسم.
وهنا تكمن عظمة الإبداع البشري.
الفنان يعيش ما سيأتي العالم بعده ليشرحه.

لكن... متى يصبح العلم قيدا؟

المشكلة لا تبدأ عند العلم.
المشكلة تبدأ عندما ننسى وظيفته.
العروض علم جليل، ومن أكثر العلوم التي حفظت للشعر العربي نظامه الإيقاعي.
لكن الخطر يبدأ حين يتحول العلم من أداة لفهم الشعر إلى آلة لصناعة شعر بلا روح.

عندها قد يحدث ما لا نريده:
يصبح الشاعر مشغولا بالبحر أكثر من انشغاله بالقصيدة.
يبحث عن كلمة تستقيم في التفعيلة، لا عن كلمة تستقيم في المعنى.
يحذف ما يحتاجه المعنى لأن الوزن لا يحتمله.
ويضيف ما لا يحتاجه النص لأن البحر يحتاج إليه.
ثم يفرح لأنه لم يكسر الوزن.

ولا يسأل السؤال الأصعب:
هل صنعت شعرا؟

وهنا يمكن أن تكون القصيدة موزونة تماما...
ولا تكون شعرا عظيما.
وقد يكون فيها من سلامة الوزن ما يكفي لإرضاء العروض، ومن غياب الشعر ما يكفي لإزعاج القارئ.

فليست كل قصيدة موزونة قصيدة جيدة.
كما أن الوزن ليس خصما للشعر.
إنه أحد أجنحته حين يكون في موضعه.

الشاعر الذي يجعل البحر ينسى نفسه:
الشاعر المتمكن لا تشعر وأنت تقرأه أنه يحرس التفعيلة.
لا تراه وهو يعد.
لا تسمع في داخله صوتا يقول:
هذه الكلمة زائدة.
وهذه ناقصة.
وهنا يجب أن أحذف.
وهنا علي أن أمد.
الشعر الحقيقي يفعل شيئا أكثر دهاء:
يجعل البحر ينسى أنه بحر.
يجعل الموسيقى تأتيك من غير أن تطالبك بالانتباه إليها.
وهذه إحدى علامات الصنعة الرفيعة.
فالصانع الماهر لا يستعرض أدواته أمامك.
كلما ازداد تمكنه من أداته، اختفت الأداة وظهر الأثر.

ولهذا تبدو قصائد كبار الشعراء كأنها خرجت من أفواههم كما يخرج النفس.
لا تكلف.
لا استعراض.
لا إحساس بأن الشاعر يجاهد كي يبقى داخل السياج.

وهنا نصل إلى المفارقة الجميلة:
كلما أتقن الشاعر القاعدة، صار أقدر على ألا نشعر بها.

الجاهلي الذي لم يكن يعرف البحر:
تخيلوا للحظة شاعرا جاهليا يقف في قومه وينشد قصيدته.
هو لا يقول:
سأنظم الآن على البحر الطويل.
لا يفكر في أسماء التفعيلات.
لا يحمل في ذاكرته جدولا من البحور.
لكنه ينشد.
ويعيد البيت.
ثم يأتيه السامع، فيقول:
هذا شعر.
ويأتي آخر فيعترض:
هذا ليس على ما ألفناه.

كيف عرف؟
عرفته أذنه.
لقد سبقت الذائقة العربية علم العروض.

وهذا أمر ينبغي ألا ننساه ونحن ندرس الشعر القديم اليوم.

فلا ينبغي أن نعيد قراءة الشاعر الجاهلي بعقل الطالب الذي حفظ البحور، ثم نتصور أن الشاعر نفسه كان يعيش داخل ذلك الجدول.
هو لم يكن يعيش داخل الجدول.
الجدول جاء بعده.

من القصيدة إلى القاعدة... 
ثم 
من القاعدة إلى القصيدة

هنا يمكن أن نفهم المسار كله في ثلاث كلمات:
إبداع، ثم اكتشاف، ثم تقعيد.

الشاعر يبدع.
العالم يكتشف النظام.
والعلم يقعده.

لكننا في التعليم الحديث قد نعكس المسار أحيانا:
نبدأ بالقاعدة.
ثم نطلب من المتعلم أن يصنع الإبداع.
وهنا يقع الالتباس.
لأن تعلم البحر لا يصنع شاعرا، كما أن حفظ قواعد البلاغة لا يصنع أديبا.
إنما يمنح الموهوب أدوات تساعده على أن يصبح أكثر وعيا بما يفعل.
القاعدة لا تمنحك الموهبة.
لكن الموهبة، حين تتعلم القاعدة، تستطيع أن تستخدمها بوعي أكبر.
وهذه هي العلاقة الصحيحة بين الفن والعلم.

ليس البحر سجنا:
ومن الإنصاف أن نقول ذلك بوضوح:
ليس البحر سجنا.
وليس الوزن عدوا للشعر.
بل إن البحور العربية واحدة من أبدع صور التنظيم الموسيقي في اللغة، وقد حفظت للشعر العربي قرونا طويلة ملامحه الإيقاعية، ومنحت الشاعر مساحات هائلة من التنوع داخل نظام بالغ الدقة.

المشكلة ليست في البحر.
المشكلة في الشاعر الذي لا يرى غيره.

فالبحر وسيلة.
والقصيدة غاية.
والوزن خادم للموسيقى.
والموسيقى خادمة للمعنى.
والمعنى في النهاية خادم للحظة الشعرية التي لا يمكن اختزالها في قاعدة.

وحين تنقلب هذه العلاقة، يختل كل شيء. لهذا بقي الشعر.

لو كان الشعر مجرد أوزان، لكان حفظ البحور كافيا لإنتاج الشعراء.
لكننا نعرف أن الأمر ليس كذلك.
هناك من يحفظ البحور كلها ولا يستطيع أن يكتب بيتا واحدا يعلق في الذاكرة.
وهناك من يكتب بيتا واحدا، فيبقى معنا سنوات.
ما الذي حدث؟
لقد حضرت الموهبة.
حضرت التجربة.
حضرت اللغة.
حضرت الصورة.
وحضر شيء غامض لا تستطيع كتب العروض وحدها أن تفسره.
ذلك الشيء الذي يجعلنا نقرأ بيتا بعد مئات السنين فنشعر أن قائله كان يتحدث إلينا نحن.
وهنا سر الشعر.

الشعر أولا:
لذلك، حين نتحدث عن الشعر الجاهلي، ينبغي ألا نقول إن العرب كانوا ينتظرون الخليل حتى يتعلموا كيف يكون الشعر شعرا.
كان الشعر موجودا.
وكان حيا.
وكانت له موسيقاه.
وكانت له قوانينه التي استقرت في الذائقة والممارسة، ثم جاء الخليل فقرأ هذا التراث قراءة العالم، واستخرج منه علم العروض.
وهذا لا يقلل من الخليل.
بل يرفعه.
فالعالم العظيم ليس بالضرورة من يخترع المادة التي يدرسها، وإنما قد يكون من يستطيع أن يرى فيها ما عجز الآخرون عن رؤيته.
لقد رأى الخليل النظام في الكثرة.
ورأى القانون في السماع.
ورأى الموسيقى حيث كان غيره يسمع الشعر فقط.
فحفظ لنا شيئا عظيما من سر الإيقاع العربي.
لكن علينا أن نتذكر دائما:
الخليل جاء بعد الشعر.
وليس العكس.

في البدء كانت القصيدة:
ربما لهذا كله لا أستطيع أن أتصور الشعر منطلقا من البحر.
أتصوره منطلقا من شيء آخر.
من رجفة.
من دهشة.
من حب.
من غضب.
من فقد.
من انتصار.
من سؤال لا يجد صاحبه له جوابا إلا بالكلمات.
ثم تأتي القصيدة.
ثم تأتي الموسيقى.
ثم يأتي البحر.
ثم يأتي الناقد.
ثم يأتي العالم.
ثم يأتي الكتاب.
لكن في البداية...
كان هناك إنسان يريد أن يقول شيئا.

وهذا، في ظني، هو جوهر الحكاية كلها.
فالشعر لا يولد من البحر.
الشعر يولد من الحاجة إلى القول.
والبحر لا يمنح القصيدة روحها، لكنه يمنحها جسدا موسيقيا حين تختاره القصيدة لنفسها.
ولذلك ظل الشعر شعرا قبل أن نعرف أسماء بحوره.
وظل عظيما بعد أن عرفناها.
وربما كان أجمل ما فعله الخليل أنه لم يحاول أن يضع الشعر في قفص، بل فتح لنا بابا ندخل منه إلى موسيقاه.

أما نحن، 
فعلينا أن نتذكر ونحن نكتب ونقرأ وننقد:

لا تجعلوا الشاعر عبدا للبحر.

دعوا البحر يحمل القصيدة.

ولا تجعلوا القصيدة تحمل البحر.

فلتكن الدفة للوعي، 
والشراع للنقد، 
والبحر للقصيدة، 
والإبحار للقارئ في الجمال والكمال.

وفي النهاية...
حين كان الشعر شعرا قبل أن يكون بحرا، 
لم يكن العرب أقل علما بالشعر.

كانوا فقط يعرفونه بالطريقة الأولى التي يعرف بها الإنسان الأشياء الجميلة:
يسمعها... فيعرفها.