١٠٠
البراق بن روحان
الفارس الذي لا تحيط به الرواية
حين يكون غياب الشاعر جزءا من حكايته قد يبدو اختيار البراق بن روحان للمرتبة المائة غريبا لمن ينتظر من هذه السلسلة أن تبدأ باسم ذائع الصيت، أو بشاعر محفوظ الأخبار واسع الحضور في كتب الادب.
إن هذا الاختيار يحمل دلالة مقصودة.
فهذه السلسلة لا تريد أن تكون قائمة أسماء مكررة، ولا أن تعيد ترتيب المشاهير وحدهم، بل تسعى إلى استعادة الأصوات التي حجبتها القرون، وإلى مساءلة الطريقة التي وصلتنا بها صورة الشاعر الجاهلي.
والبراق بن روحان واحد من أكثر هذه الأصوات إثارة للأسئلة.
فهو يظهر في الروايات الحديثة فارسا من سادات قومه، وشاعرا جمع بين الحماسة والغزل، وترتبط سيرته بقصة ليلى العفيفة بنت لكيز.
لكن صورته لا تصلنا من طريق واحد واضح، ولا تستند جميع تفاصيلها إلى مصادر تراثية متقدمة متفق عليها.
ومن هنا
تصبح قراءته تمرينا على التمييز بين الشاعر كما قد يكون عاش، والشاعر كما حفظته الرواية، ثم أعادت المراجع الحديثة تشكيله.
الاسم والنسب والصورة المتداولة:
تذكر المراجع الحديثة اسم البراق على نحو قريب من:
أبو نصر البراق بن روحان بن أسد بن بكر بن مرة
من بني ربيعة.
وتصفه بعض هذه المراجع بأنه شاعر جاهلي قديم، أصله من اليمن، وكانت شهرته واقامته في البحرين.
كما تربطه بقبائل وائل، وبكليب والمهلهل، وتجعله فارسا ذا مكانة بين قومه.
هذه الصورة أعرضها بقدر من التحفظ.
فالمصادر لا تقدم ترجمة قديمة مستقلة ومستقرة للبراق، كما أن بعض التفاصيل المتداولة في الكتب الحديثة تبدو راجعة إلى مصادر متأخرة، وفي مقدمتها كتاب لويس شيخو «شعراء النصرانية قبل الإسلام»، ثم ما نقله عنه خير الدين الزركلي في «الأعلام».
وقد نبه تحقيق حديث إلى أن اسم البراق لا يظهر بوضوح في معظم كتب التراجم والأخبار المتقدمة، وإلى أن ديوإنه المطبوع، على الرغم من صدوره في صورة تحقيق، لا يلغي الحاجة إلى فحص أصول مادته ومصادرها.
هذه الملاحظة لا تكفي للحكم على الشخصية بالعدم، لكنها تمنعنا من تقديم أخبارها بوصفها حقائق تاريخية قطعية.
لذلك سنستخدم في هذه الحلقة عبارات مثل «ينسب اليه» و«تذكر الروايات» و«يرد في بعض المصادر الحديثة»، لا تقليلا من شأن الشاعر، بل احتراما للمنهج.
فكلما قلت الشواهد القديمة، ازدادت ضرورة الفصل بين الثابت والمحتمل، وبين النص والرواية التي أحاطت به.
البراق وليلى العفيفة:
قصة الحب والفروسية
تربط الرواية الشائعة بين البراق وليلى بنت لكيز، التي عرفت في المصادر الحديثة بلقب «العفيفة».
وتروي هذه الرواية أن ليلى كانت ابنة عم البراق، وإن بينهما رغبة في الزواج، إلا أن أباها أثر عليها رجلا ذا سلطان، ثم تعرضت في طريقها إلى الأسر، فاستغاثت بابن عمها، فجمع البراق قومه وسار لاستنقاذها.
تمنح هذه القصة البراق صورة الفارس العاشق الذي لا يفصل بين العاطفة والنجدة.
فهو لا يظهر فيها عاشقا منعزلا عن قومه، ولا محاربا خاليا من القلب، بل رجلا تتحول عاطفته إلى فعل، ويتحول الوفاء عنده إلى مسؤولية.
هذه الصورة تفسر جاذبية البراق في الذاكرة الشعبية، حتى لو بقيت تفاصيل القصة ومراحلها موضع بحث ومراجعة.وتنسب إلى ليلى قصيدة تبدأ بقولها:
ليت للبراق عينا فترى
ما ألاقي من بلاء وعنا
يا كليبا وعقيلا اخوتي
يا جنيدا أسعدوني بالبكا
عذبت اختكم يا ويلكم
بعذاب النكر صبحا ومسا
وقد وردت هذه الأبيات في مصادر حديثة، ومنها كتاب «شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام» لبشير يموت.
وكما ورود في مصدر حديث لا يجعل نسبتها قطعية، ولا يثبت جميع تفاصيل القصة التي ربطت بها.
والصياغة العلمية الأدق أن نقول:
«تنسب في الروايات المتأخرة إلى ليلى العفيفة»،
لا أن نقدمها بوصفها وثيقة تاريخية لا خلاف عليها.
ومن الضروري أيضا تصحيح خلط شائع وقع فيه بعض الكتاب.
فالبيت:
كليب لعمري كان أكثر ناصرا
وأيسر جرما منك ضرج بالدم
منسوب إلى النابغة الجعدي، وليس من قصيدة ليلى العفيفة، ولا يصح تقديمه بوصفه جزءا من استغاثتها.
فالفصل بين النصوص هنا ليس تفصيلا هامشيا، بل هو شرط أساسي لصيانة الرواية الشعرية من التداخل.
شعر البراق:
ما الذي يمكن إثباته؟
تورد مواقع جمع الشعر عددا من القصائد المنسوبة إلى البراق، وتدور موضوعاتها حول الفخر والحماسة والرثاء والغزل. ومن مطالعها:
لعمري لست أترك آل قومي
وأرحل عن فنائي أو أسير
ومنها:
وهل أنا إلا واحد من ربيعة
اعز إذا عزوا وفخرهم فخري
ومنها قصيدة تبدأ بقول الشاعر:
أمن دون ليلى عوقتنا العوائق
جنود وقفر ترتعيه النقانق
كما تنسب إليه قصيدة حماسية مطلعها:
أقول لنفسي مرة بعد مرة
وسمر القنا في الحي لا شك تلمع
وتكشف هذه النصوص، في حدود صحة نسبتها، عن صورة شاعر يكثر في شعره الفخر القبلي، ووصف الحرب، واستحضار الرماح والخيل، وربط الشجاعة بحماية الجماعة وصون مكانتها.
وهي صورة تنسجم مع تقاليد الشعر الجاهلي في تمجيد الفارس الذي يرى في قوته أداة لحماية الحمى، لا مجرد وسيلة للغلبة.
لكن
ينبغي التمييز بين وجود القصيدة في ديوإن حديث وبين ثبوتها التاريخي.
فالديوان المحقق يجمع مادة شعرية منسوبة إلى البراق، وهذا أمر مهم في حفظ النصوص ودراستها، لكنه لا يغني عن السؤال عن أصول الرواية، وعن أقدم مصدر وصل منه كل نص، وعن الفروق بين نسخ القصيدة، وعن الألفاظ التي يحتمل أن تكون قد تعرضت للتغيير أثناء النقل.
أما الأبيات التي ترد أحيانا في بعض المواقع، مثل:
ألا من لعين لا تنام كأنما
كحلت مقاطير الأسى والأذى
والأبيات التي تليها في بعض النقول، فلا ينبغي إدراجها في شعر البراق من غير ذكر مصدر محدد يمكن الرجوع اليه.
فلم يتبين في أغلب المراجع ما يكفي لإثبات نسبتها، ولذلك نتحفظ عن الاستشهاد بها، ونترك الباب مفتوحا أمام تحقيق جديد قد يكشف أصلها أو يثبت أنها من شعر شاعر آخر.
بين الفروسية والغزل :
تبدو صورة البراق في الرواية الحديثة قائمة على ثنائية محببة إلى الخيال العربي:
السيف والقلب،
الحرب والوفاء،
الصرامة والرحمة.
هذه الثنائية تمنح شخصيته طاقة أدبية واضحة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى حكم تاريخي جاهز.
فإذا صحت نسبة القصائد الحماسية اليه، أمكن القول إن شعره يقدم نموذجا للفارس الذي يربط المجد بالانتماء، ويرى في القتال دفاعا عن قومه ومكانته.
وإذا صحت نسبة القصائد الغزلية التي تربطه بليلى، فإننا نكون أمام شاعر لا يحصر البطولة في ساحة الحرب، بل يمد معناها إلى حفظ العهد واحترام المحبوبة وصون الكرامة.
مع إن وصف البراق بإنه مؤسس مبكر للغزل العذري يحتاج إلى تحفظ.
فالغزل العذري، بوصفه ظاهرة أدبية واجتماعية واضحة، ارتبط خصوصا بالعصر الاموي، ولا يصح نقل المصطلح إلى شاعر جاهلي إلا على سبيل المقارنة لا على سبيل إثبات النسب التاريخي.
ويمكن أن نقول بدلا من ذلك أن بعض ما ينسب إلى البراق يتضمن قيما من العفة والوفاء، وهي قيم ستظهر لاحقا في صور مختلفة داخل تقاليد الغزل العربي.
وبالمثل، لا نستطيع الجزم بأنه وضع «النواة الأولى للفروسية العفيفة». هذه عبارة تصلح عنوانا لقراءة أدبية، لكنها ليست مصطلحا تاريخيا ثابتا.
والفارق بين الأمرين مهم:
فالنقد يستطيع أن يقترح مفهوما تفسيريا، لكنه لا يجوز له أن يقدمه بوصفه حقيقة موروثة من العصر الجاهلي.
قيمة البراق في تاريخ التلقي :
لعل القيمة الأهم للبراق اليوم لا تكمن في عدد الأبيات التي وصلت باسمه، ولا في مقدار ما نعرفه عن حروبه، بل في الأسئلة التي تثيرها سيرته حول صناعة الذاكرة الأدبية.
كيف تتحول شخصية قليلة الحضور في المصادر القديمة إلى فارس مشهور في الروايات الحديثة؟
كيف تتداخل القصة الشعبية مع القصيدة حتى يبدو من الصعب الفصل بينهما؟
وهل يمكن أن تكون بعض الأبيات قد صنعت القصة، لا أن تكون القصة هي التي أنتجت الأبيات؟
وما الذي يحدث للنص حين ينتقل من مخطوط مجهول المصدر إلى كتاب حديث ثم إلى مواقع تجمع الشعر وتعيد نشره بلا احالات دقيقة؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من البراق، بل تمنحه أهمية إضافية.
فالشاعر لا يعيش في النص وحده، وإنما يعيش أيضا في الطريقة التي يتذكره بها الناس.
وقد تكون صورته المتأخرة جزءا من تاريخ الأدب، حتى عندما لا نستطيع إثبات كل تفاصيلها بوصفها تاريخا.
من هنا
يمكن قراءة البراق بوصفه شخصية تقع عند الحد الفاصل بين التاريخ والأدب.
فالتاريخ يطالبنا بالسند والمصدر والمقارنة، بينما يلتفت الأدب إلى قوة الصورة، وأثر الحكاية، وقدرة الشخصية على تجسيد معنى انساني.
والمقال الجيد لا يلغي أحد المجالين لحساب الآخر،
بل يضع كل سؤال في موضعه.
لمإذا المرتبة المائة؟
لا تعني المرتبة المائة أننا نصدر حكما نهائيا بأن البراق أقل قيمة من جميع من سيأتي بعده.
فالترتيب في هذه السلسلة اجتهاد تحريري، يعتمد على ثراء المادة، وقوة الحضور، والأثر الفني، وأهمية الشخصية في الذاكرة العربية، مع مراعاة مقدار ما تسمح به المصادر من قراءة نقدية متماسكة.
وقد جاء البراق في بداية الرحلة لسببين.
أولهما:
إنه يمثل الشعراء الذين غطت الرواية على نصوصهم، فصار التحقق من صورتهم جزءا من قراءة شعرهم.
وثانيهما:
إن قصته، بما تجمعه من الفروسية والحب والأسر والنجدة، تفتح منذ الحلقة الأولى سؤإلا سيعود في حلقات كثيرة:
هل نقرأ الشاعر كما تثبته المصادر، أم كما صنعته المخيلة العربية عبر القرون؟
إن وضعه في المرتبة المائة لا يغلق الحكم عليه، بل يفتح ملفه.
وقد تكون هذه البداية مناسبة لسلسلة تريد أن تعيد اكتشاف العقل العربي الأول لا عبر التمجيد وحده، بل عبر الفحص، والمقارنة، والاعتراف بحدود المعرفة.
الفارس وظلال الحكاية:
يظل البراق بن روحان، في حدود ما وصلنا، فارسا تحيط به الرواية أكثر مما تحيط به الوثيقة.
تنسب إليه أشعار في الفخر والحماسة والغزل، وتربطه الحكاية بليلى العفيفة، وتقدمه الذاكرة الحديثة نموذجا للرجل الذي يجمع بين شدة السيف ورقة الوفاء.
هذه الصورة، على جمالها، تحتاج إلى أن تبقى مفتوحة على المراجعة.ليس من الإنصاف أن نثبت له كل ما قيل باسمه، كما ليس من الإنصاف أن نرفض شخصيته لمجرد أن مصادرها قليلة أو متأخرة.
والموقف الأدق أن نقرأه في مستويين:
مستوى النصوص التي تنسب اليه، فنفحص لغتها ومضامينها ومصادرها؛ ومستوى الحكاية التي صنعت له مكانا في الذاكرة، فنفهم كيف احتاج الخيال العربي إلى فارس عاشق يحمي العهد ويستجيب للاستغاثة.
هكذا يصبح البراق مدخلا مثاليا إلى هذه السلسلة. فهو لا يضع أمامنا شاعرا فحسب، بل يضع أمامنا تاريخا كاملا من الأسئلة:
سؤال النسبة،
وسؤال الرواية،
وسؤال البطولة،
وسؤال الطريقة التي يعيد بها كل عصر اكتشاف ماضيه.
ومن هنا
تبدأ الرحلة. لا من يقين مكتمل، بل من نصوص تحتاج إلى قراءة، وحكايات تحتاج إلى تمحيص، وذاكرة عربية ما زالت قادرة على أن تضيء ما خفي من ملامحها الأولى.