عين الناقد

حبر وورق
العدد الأول - سبتمبر ٢٠٢٦
الأربعاء ٢ سبتمبر ٢٠٢٦


عين الناقد
قراءة نقدية في:

 «حديث الأربعاء» لطه حسين


هندسة القراءة


في المقال السابق، جلسنا إلى الكتاب لنستمع إلى حديثه.
أما الآن، فقد حان أن ننتقل إلى الجهة الأخرى من المائدة.
فليس السؤال هنا:

ماذا قال طه حسين؟


السؤال الأهم:
كيف جعلنا طه حسين نرى ما قاله؟


وهنا

تحديدا تبدأ القيمة النقدية الحقيقية لـ

«حديث الأربعاء».
فالكتاب لا يقدم لنا الشعر القديم باعتباره مادة جاهزة للعرض، ولا يكتفي بإعادة رواية ما قيل في التراث، وإنما يعيد ترتيب علاقتنا به.

ينقل القصيدة من مكانها بوصفها نصا محفوظا إلى فضاء آخر تصبح فيه موضوعا للسؤال، والتحليل، والمقارنة، وإعادة النظر.
وهذا هو أول ما يلفت النظر في تجربة طه حسين:
إنه لا يقرأ الشعر فقط، بل يهندس طريقة قراءتنا للشعر.


من التقديس إلى المساءلة:
كان التجديد الذي مارسه طه حسين في قراءة التراث مرتبطا برفض التعامل معه بوصفه منطقة محرمة على السؤال.
لم يكن الشاعر القديم عنده تمثالا ثقافيا ينبغي الوقوف أمامه بإعجاب دائم، بل إنسانا عاش في زمان محدد، وتحرك داخل مجتمع محدد، وكتب في ظل ظروف نفسية واجتماعية وفكرية يمكن مساءلتها وفهمها.


وهنا

تتحول القصيدة من شيء نتلقاه إلى شيء نفكر فيه.
وهذه نقلة بالغة الاهمية.


فالقارئ الذي يدخل إلى النص وهو يحمل سؤالا، لا يخرج منه كما دخل.
لقد تحولت علاقة القارئ بالتراث من التلقي إلى المشاركة، ومن الحفظ إلى الفحص، ومن التسليم إلى الحوار.
وهذه، في تقديري، واحدة من اهم هدايا «حديث الأربعاء» للنقد العربي الحديث.


الشاعر خلف النص:
لكن طه حسين لا يكتفي بالنظر إلى القصيدة.
إنه يحاول في كثير من المواضع أن يرى الشاعر خلفها.
فالشاعر ليس صوتا معلقا في الهواء؛ وراءه مجتمع، وبيئة، وعلاقات، وأهواء، وتحولات، وحياة كاملة تتسلل بدرجات مختلفة إلى شعره.
ومن هنا تأتي قيمة القراءة السياقية عند طه حسين.
فالبيت الشعري لا يعيش دائما مستقلا عن زمانه، والقصيدة ليست جزيرة معزولة عن صاحبها.
لكن هذه القوة المنهجية تحمل معها سؤالا نقديا:

إلى أي حد يجوز لنا أن نفسر النص بحياة صاحبه وبيئته؟


فقد يكون السياق مفتاحا للنص، لكنه قد يتحول أيضا إلى قيد عليه.
وحين يصبح الشاعر هو التفسير الدائم للقصيدة، نخشى أن نرى في النص ما نعرفه مسبقا عن صاحبه، لا ما يقوله النص نفسه.


وهنا تبدأ المسافة التي ينبغي أن يحتفظ بها الناقد بين القصيدة وتفسيرها.


القصيدة بين اللغة والحياة:
من أهم ما يمنح «حديث الأربعاء» حيويته أن طه حسين لا يعزل الشعر عن الحياة.
إنه يقرأ الظاهرة الشعرية في علاقتها بالتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أحاطت بها.
لكن هنا أيضا ينبغي أن نكون أكثر حذرا.
فالعلاقة بين المجتمع والشعر ليست دائما علاقة سبب ونتيجة.
قد يؤثر الرفاه في الذوق، وقد تؤثر الحياة السياسية في موضوعات الشعر، وقد تترك البيئة آثارها في اللغة والصورة، لكن القصيدة لا يمكن اختزالها في الظروف التي ولدت فيها.
فالفن يحتفظ دائما بمساحة من الاستقلال.
وهذه المساحة تحديدا هي التي تجعل النص الادبي أكثر من مجرد وثيقة اجتماعية.


ومن هنا يمكن القول إن أفضل قراءة للقصيدة ليست تلك التي تختار بين النص وسياقه، وإنما تلك التي تعرف كيف تجعل الاثنين يتحاوران دون أن يبتلع أحدهما الآخر.


سلطة الأسلوب:
وهنا نصل إلى نقطة لا يمكن تجاوزها ونحن نقرأ طه حسين:
طه حسين لا يمارس النقد باللغة وحدها؛ بل يمارس اللغة نقدا.
فأسلوبه ليس وعاء محايدا لافكاره.
المحاورة، والاستفهام، والمجادلة، والانتقال من فكرة إلى أخرى، وطريقة بناء الجملة، كلها تجعل القارئ شريكا في الحركة الفكرية للنص.


وهنا تكمن مفارقة جميلة:
نحن نقرأ الناقد، لكننا في الوقت نفسه نقرأ كاتبا.


وقد يكون هذا أحد أسباب بقاء «حديث الأربعاء» حيا حتى اليوم.
فالناقد الذي يكتب بلغة جافة قد يشرح فكرته ثم ينتهي أثره بانتهاء الصفحة.
أما طه حسين، فإنه يجعل القارئ يتذوق الفكرة وهو يتلقى الحجة.
إنه لا يقدم لك النتيجة فقط؛ بل يجعلك تمشي معه نحوها.


المفارقة الكبرى:
لكن هنا تحديدا تظهر المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلا.
طه حسين يريد أن يحرر القارئ من سلطة الموروث.
يريد منه ألا يتعامل مع التراث بوصفه حقيقة مغلقة.
يريده أن يسأل، ويشك، ويفحص، ويعيد النظر.
لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟


ينتقل القارئ من سلطة النص الموروث إلى سلطة أخرى:
سلطة عين الناقد.


وهذه ليست تهمة لطه حسين، بل سؤال عن طبيعة كل قراءة نقدية عظيمة.
فالناقد حين يفتح النص أمامنا، يختار في الوقت نفسه الضوء الذي سنراه به.
حين يبرز لنا جانبا، قد يجعل جانبا آخر أقل ظهورا.
وحين يقترح تفسيرا، فإنه لا يقدم لنا مفتاحا فقط، بل يوجه ايدينا أيضا نحو القفل الذي يريد منا أن نفتحه.


وهكذا يصبح السؤال أكثر عمقا:
حين حرر طه حسين النص من سلطة الموروث، هل حرره أيضا من سلطته هو؟


أم أن كل ناقد عظيم لا يستطيع إلا أن يستبدل سلطة بسلطة، على أن تكون السلطة الجديدة أكثر وعيا بنفسها، واكثر قابلية للنقاش؟


هنا

 تكمن عظمة التجربة وخطورتها في الوقت نفسه.

ما الذي يمكن أن يؤخذ على «حديث الأربعاء»؟


القيمة الكبيرة للعمل لا تعني أنه فوق النقد.
وأهم ما يمكن تسجيله عليه ليس أنه «قديم» أو أن أدواته تجاوزها الزمن فحسب، وإنما أن بعض تفسيراته قد تميل إلى جعل السياق النفسي والاجتماعي أكثر قدرة على تفسير النص مما يحتمل النص نفسه.
كما أن الذائقة الشخصية لطه حسين، مهما بلغت ثقافتها وقوة حجتها، تظل حاضرة في احكامه ومفاضلاته.
وهذه ليست ثغرة خاصة بطه حسين وحده؛ فالناقد الذي يدعي غياب الذات تماما عن قراءته ربما يخفي ذاتيته بدلا من أن يتخلص منها.
لكن الفرق عند طه حسين أن حضوره قوي إلى الحد الذي يجعل القارئ أحيانا ينسى أنه أمام قراءة لا أمام حقيقة نهائية.


وهذه، في رأيي، أهم نقطة ينبغي أن نتذكرها ونحن نعيد قراءة «حديث الأربعاء» اليوم.


لماذا نعود إليه؟


بعد كل هذه السنوات، لا تكمن قيمة «حديث الأربعاء» في أن نتفق مع طه حسين في كل ما قال.
بل ربما تكون قيمته الأكبر في أن الكتاب يعلمنا كيف نختلف.
إنه يدرب القارئ على ألا يكتفي بالسؤال:


هل هذا الحكم صحيح؟


بل أن يسأل قبله:
كيف وصل صاحبه إلى هذا الحكم؟


وهذا هو جوهر التفكير النقدي.


ولهذا فإن قراءة «حديث الأربعاء» اليوم لا ينبغي أن تكون محاولة لاستعادة طه حسين كما كان، وإنما فرصة لممارسة ما علمنا إياه:
أن نقرأ، ثم نسأل.
أن نوافق، ثم نراجع.
أن نعجب، ثم نفكر.
ما بعد القراءة
ربما كان أجمل ما في «حديث الأربعاء» أنه لم يغلق الباب الذي فتحه.
فالكتاب الذي يدفعك إلى إعادة النظر في التراث، لا يمكن أن تكون مهمته أن يمنحك رؤية نهائية للتراث.


وهنا

 نصل إلى خلاصة «حبر وورق» في عددها الاول:
الكتاب العظيم ليس هو الذي يمنحك الإجابة الاخيرة، بل الذي يفسد عليك راحة الإجابة السهلة.


وهذا ما فعله طه حسين.
لقد أخذ القارئ من مقعد المتلقي ووضعه إلى جوار الناقد.


إننا اليوم، ونحن نعيد قراءة «حديث الأربعاء»، نستطيع أن نذهب خطوة أخرى:
أن نضع حتى عين الناقد نفسها تحت عين الناقد.
وربما تكون هذه هي الطريقة الأدق للاحتفاء بطه حسين:
لا أن نقول له إننا صدقناه،
بل أن نثبت أننا تعلمنا منه كيف نسأل.

فضلا وكرما
شاركونا الرأي
هل ترون أن طه حسين نجح في تحرير قراءتنا للتراث من سلطة المسلمات؟


وهل يمكن للناقد، مهما بلغت موضوعيته، أن يتحول هو نفسه إلى سلطة جديدة على النص؟


حين نقرأ «حديث الأربعاء» اليوم، هل نقرأ طه حسين فقط، أم نقرأ أيضا الطريقة التي تعلمنا بها أن نقرأ؟
و ........

إلى لقاء جديد مع «حبر وورق»...